#أخبار المهرجان

الريد كاربت.. العودة.. 13

يعود المهرجان كأحد أبرز التظاهرات السينمائية العربية التي تجمع بين الاحتفاء بالسينما كفنٍّ إنساني وتسويقها كصناعةٍ جماهيرية. الافتتاح لم يكن عاديًا، بل مشهدًا متكاملًا من الضوء، والأناقة، والكاميرات. فـالبساط الأحمر الذي امتد أمام قصر المؤتمرات في وهران، لم يكن مجرد ممرٍّ للنجوم، بل فضاءً بصريًا يُعلن عن ولادة دورة جديدة تحتفي بالسينما العربية في تعددها وتنوّعها.

مرّ على البساط الأحمر هذا المساء نجوم عرب وجزائريون تركوا بصمتهم في السينما والإعلام: من مصر، تسيدت البساط النجمة المكرمة “ نادية الجندي ، التي حييت الجمهور على تفاعله معها ، وحيّاها الجمهور على إرثها الفني.

على البساط ذاته مرّ الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين المصريين، الذي مثّل حضور المؤسسة الفنية العربية بكل ثقلها. ومن تونس، تألقت النجمة درة رزوق بإطلالة أنيقة جسّدت التقاء الحس الجمالي بالاحتراف، كما حضر المخرج محمود الجمني، تلميذ المخرج الفرنسي الشهير رونييه فوتي (René Vautier)، ليذكّر بجسر التواصل التاريخي بين السينما المغاربية والمدرسة الواقعية الفرنسية.

أما من الجزائر، فقد خطف الأنظار الممثل مصطفى لعريبي بحضوره المتزن ووقاره الذي يعكس تجربة فنية ممتدة من المسرح إلى التلفزيون، نافسه في الحضور نجوم آخرون ونجمات، كشهرزاد كراشني وسهيلة معلم .

كما تزيّن البساط بمرور أسماء وازنة أخرى ، من غسان مسعود، إلى خديجة بن قنة، ونضال الملوحي، و أحمد راشدي،و رشيد بوشارب، وغيرهم من الوجوه التي منحت الحدث طابعه العربي الجامع.

البساط الأحمر ذاكرة الملوك

يرتبط مفهوم البساط الأحمر بتاريخٍ ضارب في القدم؛ إذ كان يُفرش في مواكب الملوك والمنتصرين دلالةً على المجد والتكريم. ومع بدايات القرن العشرين، انتقلت رمزيته إلى عالم السينما، حين استُخدم لأول مرة في عرضٍ بهوليوود سنة 1922، ثم صار في مهرجان “كان” الفرنسي طقسًا مقدّسًا يسبق عرض الأفلام.

ومنذ ذلك الحين، غدا اللون الأحمر — رمز الفخامة والشغف — لغةً بصرية تُخاطب الجمهور قبل أن تتكلم الشاشة. اليوم، لم يعد البساط الأحمر مجرّد تقليد، بل إتيكيت بصري له قوانينه الدقيقة: طريقة المشي، توقيت التوقف أمام العدسات، زاوية النظر، اختيار الأزياء والألوان، وحتى الخطى الموزونة على الإيقاع السمعي للموسيقى الخلفية. كل حركة محسوبة لتُنتج صورة متكاملة تحاكي الفخامة وتُجسّد هوية المهرجان. إنه عرض داخل العرض، أو بتعبير أدق: سينما قبل السينما.

الريد كاربت بين التسويق والاحتفاء

غير أن الجدل يظل قائمًا: هل البساط الأحمر فعل تسويقي أم احتفاء بالسينما؟ في العمق، هو الاثنين معًا. فمن جهة، يُعتبر وسيلةً دعائية قوية لجذب الإعلام والرعاة، ولتثبيت صورة المهرجان في الذاكرة البصرية للجمهور. ومن جهة أخرى، هو طقس اعتراف بالفنانين، يُعيدهم إلى مركز الضوء بعد رحلة طويلة خلف الكاميرا.

لكنّ الإشكال يظهر حين يتفوّق الاستعراض على الجوهر، فتتحوّل السجادة الحمراء إلى هدفٍ بذاتها بدل أن تكون مدخلًا لاحتفاءٍ حقيقي بالفن السابع. عندها يفقد المهرجان توازنه بين الصورة والمضمون، بين النجومية والرسالة.

وهران… مدينة تفرش ذاكرتها للضوء

وهران ليست مجرد مدينة تستضيف مهرجانًا، بل كائنٌ يعي ما تعنيه السينما لهويته. على شاطئها المطل على المتوسط، تتقاطع ذاكرة المكان مع ذاكرة الصورة؛ فكل دورة من المهرجان هي محاولة لكتابة فصلٍ جديد في علاقة المدينة بالسينما العربية. حين تمر نادية الجندي أو درة رزوق على البساط الأحمر، وحين يبتسم غسان مسعود أمام عدسات المصورين، لا يكون المشهد احتفالًا شكليًا، بل إعلانًا عن قدرة السينما العربية على الاستمرار رغم هشاشة السياقات، وتردّي الأوضاع السياسية الإقليمية والعالمية. في النهاية، يبقى البساط الأحمر في مهرجان وهران أكثر من زينةٍ احتفالية. إنه نصٌّ بصري متكامل، تتجاور فيه الأناقة بالرمز، والإبهار بالمعنى، والتاريخ بالحلم. ومن خلاله، يعيد المهرجان طرح سؤال السينما نفسها: هل نحتفل بالصورة لأنها تُغوينا، أم لأنها تجعلنا نرى العالم بشكلٍ أعمق؟

حكيم محمدي

الريد كاربت.. العودة.. 13

نبض المهرجان

الريد كاربت.. العودة.. 13

قالوا بعد الافتتاح

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *