#أخبار المهرجان

“سامية”… الركض نحو المستحيل

في فيلم “سامية” لا نتابع مجرد سيرة رياضية لعداءة صومالية، بل نعيش ملحمة إنسانية عن الإصرار في وجه الفقد، وعن الحلم الذي يركض وسط الركام.

هو فيلم عن فتاة تريد أن تجري، لا لتفوز بالميداليات، بل لتظل على قيد الحياة في بلد ينهشه التطرف والحرب.

الفيلم مقتبس من رواية الكاتب الإيطالي جوزبه كاتوتسيلا “لا تقولي إنك خائفة” التي استلهمت القصة الحقيقية للعداءة الصومالية سامية يوسف عمر التي مثّلت بلدها في أولمبياد بكين سنة 2008، قبل أن تموت غرقًا في البحر المتوسط أثناء محاولتها الهجرة إلى أوروبا.

بين الأدب والسينما: ترجمة المستحيل إلى صورة

يُعدّ هذا الفيلم نموذجًا صعبًا لاقتباس أدبي يعتمد على السيرة الواقعية. فالرواية تقوم على بناء لغوي داخلي، وعلى الحكاية من وجهة نظر سامية، بينما السينما مطالبة بخلق حياة مرئية من هذا الصوت الداخلي.

ورغم بعض لحظات الضعف في التكييف السردي، فإن الصورة السينمائية عوّضت هشاشة الاقتباس بذكاء، عبر تصوير بصري واقعي شديد القسوة، يُدخل المشاهد إلى قلب الصومال لا عبر الكلمات، بل عبر التراب والدموع والعرق.

الكاميرا تتحرك بخفة مع الجسد الراكض، تلهث معه، تتنفس، ثم تسقط معه حين ينهار. إنها كاميرا لا تراقب البطلة من بعيد، بل تشاركها مصيرها.

الضوء في الفيلم ليس محايدًا: ساطع في لحظات الأمل، خانق في لحظات الخوف، ومائل إلى الرماد حين يتحوّل الطريق إلى البحر.

الأب الذي زرع الحلم

منذ المشاهد الأولى، تترسخ العلاقة بين سامية ووالدها كبنية رمزية للفيلم كله.

الأب الذي فقد ساقه في الحرب الاهلية هو الذي يمنح ابنته جناحين، ويقول لها: “اركضي يا سامية، لا تخافي”.

حين يشتري لها الحذاء الرياضي، لا يشتري مجرد أداة، بل يمنحها حقّ الحلم في وسطٍ يعتبر الرياضة ترفًا أو خطيئة.

ومع موته في تفجير عبثي، يتحول الحذاء إلى أثر مقدّس، إلى ما يشبه الوصية الأخيرة: أن تركض لتُكمل ما لم يستطع هو فعله.

المرأة في مواجهة العنف

الفيلم يرسم بعمق مأساة المرأة الصومالية بين العائلة والمجتمع والقبيلة.

في البداية، تُحاصر سامية من الجميع: من العادات، من الخوف، من الرجال المسلحين الذين يرون في جسدها المندفع نحو الضوء خطرًا على “النظام”.

لكنها تكتشف تدريجيًا أن الركض ليس فقط رياضة، بل فعل مقاومة ضد من أرادوا لها أن تمشي برأسٍ منحنٍ.

تتحول الأم لاحقًا إلى حليفٍ صامت بعد أن كانت من المعارضين، في لحظة مؤثرة من التحوّل الإنساني، حين تدرك أن الحلم هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينجو من الخراب.

من بكين إلى البحر وانكسار الحلم

مشهد أولمبياد بكين يشكل نقطة انعطاف عاطفية.

هناك، وسط أبطال العالم، تركض سامية الأخيرة، بعزمٍ أكبر من كل من سبقها.

خسارتها ليست هزيمة، بل بيان وجود: إنها الصومال التي وصلت رغم كل شيء.

لكن العودة إلى الوطن تعني العودة إلى الخطر، إلى واقعٍ لم يتغير، فيدفعها الحلم نفسه إلى طريق الهجرة، الطريق الذي سيبتلعها.

مشاهد الرحلة البحرية مؤلمة بصريًا وإنسانيًا، بلا ابتزاز عاطفي، بل بهدوءٍ قاتل يشبه الحقيقة.

حين تختفي سامية في البحر، لا نرى الغرق، بل نسمع الموج، وكأنّ الفيلم يترك النهاية مفتوحة بين الموت والتحرر.

اللغة البصرية والأداء

القيمة الجمالية الكبرى في “سامية” تكمن في الصدق الإنساني للأداءات، خصوصًا من ممثلة الدور الرئيسي التي حملت على كتفيها عبء الجسد الراكض والألم المكبوت.

كما أبدع الطفل الذي أدى دور “علي” في تجسيد البراءة وسط العنف ، فقد كان في طفولتهما مدربها الشخصي ، ثم بعد انتقاله قصرا إلى الشمال يكبر وينضم للجماعات المسلحة ، لكنه يعود لسامية بعد عودتها من مونديال بكين يعطيها مالا ويستجديها ان تهرب بحلمها.

اللقطات القريبة على العيون والأيدي تجعل من الفيلم شهادة عاطفية أكثر منه حكاية.

الصورة هنا لغة روحية لا تحتاج إلى ترجمة.

فيلم عن الحلم في زمن الانكسار

في النهاية، لا يمكن تصنيف “سامية” كفيلم رياضي أو سياسي أو اجتماعي فقط، لأنه في جوهره تأمل في معنى الحلم ذاته. كيف يمكن لإنسانٍ أن يحتفظ بحلمه وسط الخراب؟ وهل يمكن للحلم أن ينجو حين يموت الجسد

 

حكيم محمدي

“سامية”… الركض نحو المستحيل

مسألة شرف: شجاعة أن تكون حساسًا

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *