#أخبار المهرجان

بين الفناء والذاكرة: تأملات عربية في الموت والوجود

يشترك الجزء الاول من الأفلام الروائية القصيرة المعروضة في مهرجان وهران للفلم العربي الحديثة في نزوعها نحو الفلسفة الوجودية، حيث يصبح الموت أو الفقدان لحظة كشفٍ عن جوهر الحياة. أفلام مثل «أرحل لتبقى الذكرى» لعلي الهاجري، و«جثة» لخالد أنور عمر أحمد، و«اسمي أمل» لشيروان حاجي، ترسم ملامح هذا التيار التأملي الذي يخلط الواقعي بالميتافيزيقي، ويجعل من السينما مساحة للتساؤل أكثر منها للإجابة.

  1. أرحل لتبقى الذكرى: ما بعد الموت كاستمرارية للوجود

ينطلق فيلم «أرحل لتبقى الذكرى» من البرزخ، من تلك المسافة الغامضة بين الحياة والموت، حيث يراقب علي – الميت في حادث مرور – تفاصيل جنازته وغسل جسده، فيتأمل ذاته من الخارج.

الفيلم لا يعالج الموت بوصفه نهاية، بل بوصفه وعيًا جديدًا. المخرج علي الهاجري يقدّم عملًا شعريًا بصريًا، تُغلفه مشاهد الغُسل التي تمزج الحنان بالحزن، كأنّ اللمس الأخير هو تعويض عن كلّ ما لم يُقل في الحياة.

بنية الفيلم قائمة على تجليات روحانية تتقاطع مع فلسفة التصوف والموت كتحرر من الثقل الأرضي، ليصبح “الرحيل” فعلًا من أجل “البقاء” في الذاكرة، لا للفناء.

  1. جثة: صراع الأخلاق والذات

أما فيلم «جثة» فيستعير الموت ليغوص في أعماق الضمير الإنساني. المشهد المحوري – الطبيب أمام جثة صديقه – يتحول إلى مناظرة فلسفية بين الواجب المهني والإنساني، بين القانون والرحمة.

حين يكتشف الصديق الذي كان يحاكم صديقه الدكتور الجالس إلى جثة مغطاة ، يكتشف في النهاية أن الجثة هي نفسه، يتحول المشهد من جدل أخلاقي إلى تجربة فرويدية عن الذنب كقوة تدميرية داخل الذات.

المخرج خالد أنور عمر أحمد يقدّم معالجة ذكية تقترب لتقنية الـ déjà vu، حيث تتكرر اللحظة كأنها دائرة لا تنتهي. الصورة هادئة وغارقة بالإضاءة الباردة التي توازي جمود الموت، فيما الحوار المكثف يمنح العمق النفسي ثقله الكامل.

  1. اسمي أمل: الحلم في مواجهة النسيان

في فيلم «اسمي أمل»، يأخذنا شيروان حاجي إلى داخل السجن، لا باعتباره جدرانًا بل رمزًا للعالم بأسره.

الزنزانة هنا هي صورة مكثفة عن القهر الإنساني، لكن المدهش أن الفيلم لا ينزلق إلى العدمية، بل يزرع في النهاية بذرة أمل.

في عالمٍ أصبح فيه النسيان سلاحًا ضد الحرية، كما يصف المخرج، تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة.

تقنيًا، يعتمد الفيلم على توازن بديع بين الصورة القاتمة والأمل المتسلل عبر الضوء. اللقطات القريبة للوجوه تُظهر الانكسار الإنساني، لكن أيضًا الصمود الهادئ.

التيمة الجامعة: الموت كإضاءة على الحياة

ما يجمع هذه الأفلام هو أنها لا تطرح الموت كقضية بيولوجية، بل كمفهوم معرفي وروحي. فالموت، سواء كان حادثًا جسديًا (كما في “أرحل لتبقى الذكرى”)، أو رمزيًا (كما في “جثة”)، أو سياسيًا (كما في “اسمي أمل”)، يصبح نافذة على معنى الوجود ذاته.

كل فيلم يعيد تعريف الفناء كمرآة للحياة، ويستبدل الخوف من الموت بشجاعة التأمل فيه.

هكذا تقدم هذه المجموعة من المخرجين الشباب موتًا عربيًا مختلفًا: موتًا واعيًا، نقديًا، متأملًا، لا ينتمي إلى الرعب بل إلى الفلسفة.

حكيم محمدي

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *