#أخبار المهرجان

“المستعمرة”… واقعية سوداء تكشف وجع العمّال في الهامش السكندري

يأتي الفيلم الروائي المصري “المستعمرة” للمخرج محمد رشاد، كأحد أبرز التجارب الأولى التي تُعيد الاعتبار لسينما الواقع الاجتماعي في مصر، من خلال مقاربةٍ قاسية ومؤلمة لعالم الطبقة العاملة في الإسكندرية، تلك المدينة التي طالما ارتبطت بالبحر والنور، لكن المخرج يختار أن يدخل من بابها الأكثر ظلمة، حيث تقع “المستعمرة”، منطقة نائية تأسست في زمن الاحتلال البريطاني لتكون سكنًا لعمّال المصانع، وبقيت حتى اليوم شاهدةً على تهميشٍ متوارث.

يروي الفيلم الذي عُرض ضمن برنامج “العمل الروائي الأول” في مهرجان برلين السينمائي الدولي بدورته الـ75 حكاية عائلة فقيرة تفقد عائلها في حادث عمل غامض داخل مصنع يفتقد أبسط معايير السلامة، فيتحوّل موت الأب إلى بوابة جديدة للانكسار حين يُجبر نجله حسام (أدهم شكري) وشقيقه الصغير مارو (زياد إسلام) على العمل في المصنع نفسه، في تسوية غير رسمية تُخفي وراءها فسادًا أخلاقيًا وإداريًا. أما الأم المريضة فتبقى في بيت رمادي اللون، تنتظر عودة ولديها كل مساء، شاهدةً على فقرٍ يُطوق البيت والمدينة معًا.

 يغلب على الفيلم طابع التوثيق البصري القاسي، في مقابل بطءٍ متعمَّد في السرد يُشبه بطء الحياة اليومية لهؤلاء العمّال. لا يسعى المخرج إلى تقديم حبكة متصاعدة بالمعنى الكلاسيكي، بل إلى تفكيك الواقع قطعةً قطعة: المصنع بماكيناته المتهالكة، العمال بصمتهم وخضوعهم، المدير المستغل، والمدينة التي تنزلق إلى الهامش. كل ذلك عبر كاميرا تتجنّب الزخرفة، وتعتمد الضوء الطبيعي، والوجوه غير المعروفة التي تمنح العمل صدقًا وثِقلاً إنسانيًا.

على مستوى المضمون، يفتح الفيلم ملفات عديدة دون أن يقدم إجابات جاهزة: هل مات الأب في حادثٍ عرضي، أم قُتل عمدًا؟ ما علاقة المدير بماضي حسام؟ ولماذا يستغل حاجته بإرسالِه في مهمات مشبوهة؟ هذه الأسئلة تبقى معلّقة، لأن الفيلم لا يبحث عن الحقيقة القضائية، بل عن الحقيقة الوجودية: كيف يمكن للفقر أن يجرّد الإنسان من كرامته، وكيف يتحوّل العمل إلى عبودية جديدة في زمنٍ حديث.

تتجلّى براعة الفيلم في العلاقة بين الشقيقين، حيث يبدو الطفل مارو مرآة لبراءة مهددة بالضياع، في حين يجسد حسام الغضب المكبوت لجيلٍ يشعر أن العدالة الاجتماعية سراب. مشاهد نوم مارو على صدر أخيه بعد ساعات العمل الطويلة تمثل لحظة إنسانية مكثفة تختصر الألم كله في لقطة واحدة، دون كلمات.

في البعد البصري، يعتمد المخرج على لوحة لونية رمادية تُغلف البيت والمصنع والشارع، لتؤكد وحدة المصير بين الأمكنة والبشر. كما يُذكّر أسلوب التصوير القريب من الأرض بالمدرسة الواقعية الإيطالية، خصوصًا في بساطته وتجنّبه للزخارف التقنية. هكذا، يصبح المكان بطلًا صامتًا آخر، يروي التاريخ الاجتماعي لطبقة منسية.

ورغم ملاحظات النقاد حول بطء الإيقاع وغياب المواقف التمثيلية الحادة، إلا أن “المستعمرة” ينجح في نقلنا إلى عالمٍ لم نره من قبل، حيث يتقاطع الخاص والعام، والإنساني والسياسي، في فيلمٍ يؤمن بأن الفن ليس ترفًا بل وسيلة لكشف الحقيقة. إنها تجربة أولى لمخرج واعد، تؤكد أن السينما يمكن أن تكون مرآة صادقة للمجتمع حين تُصنع من الأرض لا من الأبراج الزجاجية.

“المستعمرة” ليست مجرد حكاية عائلة فقيرة، بل شهاد على زمنٍ تتآكل فيه العدالة، ويصبح العمل ثمنًا للحياة والموت معًا

اسئلة المخرج محمد رشاد حول فيلم المستعمرة

  • سيطر المشغل ومحيطه على كامل الفيلم وعلى الاسكندرية؟

كانت نيتي من الأول أن أشتغل على المدينة، وعلى اكتشاف الناس الذين يعملون في المصنع ..دائما يجري الحديث عن اسكندرية البحر والشاطئ، ولكن انا كنت متعمدا أن أركز على المشغل، والمناطق هي كلها مناطق حقيقية

  • بدا الممثلون أنهم حديثو العهد بالتمثيل. هل هناك من مارس التمثيل من قبل؟

وحول اختيار الممثلين وهل منهم من مارس التمثيل من قبل يقول رشاد: هناك فقط ممثل الدور الأول يدرس مسرح، لكنه لم يمثل سوى لقطة واحدة في مسلسل قبل مشاركته معنا، ونحن تقصدنا عدم الاعتماد على الممثلين المحترفين لأنني أردت، بداية، أن يكون الممثلين وغير معروفين للمشاهد العادي وأن يكون تمثيلهم طازجا، بحثا عن مصداقية شعورهم، ومصداقية أن نصدق أن اللإخوان من هذا الهامش .. لم أكن استطيع أن أجد ممثلا معروفا، كنت طول الوقت أريد أن يكون الاثنان من طينة واحدة مع بعض، وأيضا لأن في الفيلم عمالا حقيقيين شاركوا بالتمثيل، ومن أجل أن تبقى كل الصورة متكاملة .

  • لماذا غلبة اللون الرمادي على الفيلم؟ هل كان خيارا جماليا؟

كان خيارا جماليا، كنا تكلمنا كثيرا أننا نريد ألوانا رمادية تقترب من واقع الناس التي في حياتها رتابة، هذا الأمر كان مقصودا، ونحن درسنا الالوان وأخدنا اللون الدي يميل إلى الجانب الواقعي.

  • لمسنا اعتمادك على رؤية بصرية قاسية.

ببساطة أرى أن هذه اللحظة قاسية صورتهم وهم يعانون القساوة، أنا كنت أراهم جزءا من هدا العالم القاسي، وأحببت أن أصور تحركهم كجزء من هدا العالم القاسي. هذه حياتهم الحقيقية.

م. عبيدو

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *